عباس الإسماعيلي اليزدي
465
ينابيع الحكمة
واختارهما لنفسه دون خلقه ، وجعلهما حمى وحرما على غيره ، واصطفاهما لجلاله ، وجعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده ، ثمّ اختبر بذلك ملائكته المقرّبين ، ليميّز المتواضعين منهم من المستكبرين ، فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ - فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ - فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ - إِلَّا إِبْلِيسَ « 1 » اعترضته الحميّة ، فافتخر على آدم بخلقه ، وتعصّب عليه لأصله ، فعدوّ اللّه إمام المتعصّبين ، وسلف المستكبرين . . . ألا ترون كيف صغّره اللّه بتكبّره ، ووضعه اللّه بترفّعه ؟ فجعله في الدنيا مدحورا ، وأعدّ له في الآخرة سعيرا . . . فاعتبروا بما كان من فعل اللّه بإبليس ، إذ أحبط عمله الطويل ، وجهده الجهيد - وكان قد عبد اللّه ستّة ألاف سنة لا يدرى أمن سني الدنيا أن من سني الآخرة - عن كبر ساعة واحدة ، فمن ذا بعد إبليس يسلم على اللّه بمثل معصيته ؟ كلّا ! ما كان اللّه سبحانه ليدخل الجنّة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا ، إنّ حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد ، وما بين اللّه وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرّمه على العالمين . . . « 2 » بيان : « الهوادة » : اللين والرخصة . [ 8777 ] 12 - في وصيّة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لأبي ذرّ رحمه اللّه قال : يا أبا ذرّ ، من مات وفي قلبه مثقال ذرّة من كبر لم يجد رائحة الجنّة إلّا أن يتوب قبل ذلك ، فقال : يا رسول اللّه ، إنّي ليعجبني الجمال حتّى وددت أن علاقة سوطي وقبال نعلي حسن ، فهل يرهب
--> ( 1 ) - ص : 71 إلى 74 ( 2 ) - نهج البلاغة ص 776 خ 234 « القاصعة » - صبحي ص 285 خ 192